الدكتور عبد الهادي الفضلي
50
القراءات القرآنية تاريخ وتعريف
واختلفوا في مستوى صحة السند ، فذهب بعضهم إلى اشتراط التواتر فيه ، معللا ذلك بأنها قرآن ، والقرآن لا يثبت الا بالتواتر . واكتفى آخرون باستفاضته ، لأن الاستفاضة تفيد القطع المطلوب في اثبات قرآنية القراءة ، ومن هؤلاء أبو شامة - المتوفى سنة 665 ه « 1 » ، وابن الجزري - المتوفى سنة 833 ه ، معللا بأن التواتر إذا حصل لا تكون بحاجة إلى الركنين الآخرين « 2 » . ويبدو لي : أن ابن الجزري فاته أن اشتراط الركنين الآخرين للوقاية - كما تقدم وكما ذكره هو أيضا - ولاستبعاد ما من شأنه قد يؤدي إلى الفوضى والضعف في القراءات . وذهب مكي بن أبي طالب إلى الاكتفاء بالاستفاضة ، غير أنه يفرق بين ما صح وجهه في العربية ووافق لفظه رسم المصحف فيعتبره قرآنا وقراءة ، وبين ما صح وجهه في العربية الا أنه خالف لفظه رسم المصحف فيعتبره قراءة فقط . ومثله ما وافق لفظ رسم المصحف الا أنه لا وجه له في العربية فهو قراءة لا قرآن أيضا « 3 » . وذهب بعضهم إلى عدم اشتراط السند ، والاكتفاء بموافقة رسم المصحف في ثبوت القراءة كابن مقسم المتوفى سنة 354 ه . قال في غاية النهاية « 4 » « ويذكر عنه ( ابن مقسم ) أنه كان يقول : ان كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة وان لم يكن لها سند » . وستأتي مناقشة أمثال هذا الرأي في موضوع ( مصادر القراءات ) . وقد بقي هذا الخلاف في الوصف الذي ينبغي أن يتوفر لصحة السند من شهرة أو استفاضة أو تواتر قائما حتى العهود المتأخرة .
--> ( 1 ) النشر 1 / 13 . ( 2 ) م . ن . ( 3 ) الإبانة 48 - 50 . ( 4 ) . 1 / 124 .